بواسطة (905ألف نقاط)
في غابة الزيتون، ومعـبـر الحضارات، ونافذة العرب على أوروبا في تونس الخضراء هذه الأرض الطيبة الممتدة في موقع القـلب مـن ســاحـل الشمال الإفريقي، حيثُ عطرُ الحقول ، وأريج الهضاب، وانتـعـاشـة الأفق، وسحر الطبيعة، نتوقف قليلاً؛ لنستنشق عبق التاريخ، ونسترجع صوره الفريدة الزاهية، ونتلمس بكل دفء وحنان بعض آثار تونس العديدة المتميزة، التي جعلتها محطاً لأنظار المؤرخين، وعلماء الآثار.

فعلى الرغم من تلاحق الحضارات على أرضها الجميلة، وما خلفته من آثار عظيمة خلال الأحقاب المتتالية قبل الإسلام؛ فَمَا تزال هناك معالم أصيلة نشأت، وبلغت أوج رشدها، واكتملت شخصيتها الفذة في ظل العروبة والإسلام، ومن تلك المعالم : مدينة القيروان، أقدم وأول مدينة عربية إسلامية في المغرب العربي، اختطها القائد العربي الملهم : عقبة بن نافع الفهري.

لقد كان عقبة منذ انطلاقته للجهادِ والفَتْحِ، يُفَكِّرُ فِي إِنشاء مدينةٍ منيعة ، تصلح لان تكون مكاناً اسـتـراتـيـجـيـاً تعسكر فيه قواته ، ومحطاً آمناً للمسافرين، واستراحة للقوافل التي تنتقل بين الشرق والغرب الإفريقي، وقاعدة لنشر الإسلام في المغرب، فأخذ يحث الخطا، وَمِنْ حوله جيشه الفاتح؛ للبحث عن موقع مناسب تتوافر فيه تلك الصفات، وحين توسط البيداء في إفريقية حيث تونس الحالية توقف عند منطقة أخذ يتأملها، ويجول ببصره في جميع أرجائها ، ثُمَّ أمر جيشه بحط الرحال، وركز رمحه في وسطها، وراح يخط بعصا فوق الأرض حدود مـديـنـتـه، التي أسماها القيروان.

إِنَّ اختيار عقبة لموقع القيروان يدلُّ على بُعدِ نظر ثاقب، فالمكان يقعُ في جوف الروابي، على منتصف الطريق بين الحصون والشواطيء البيزنطية، ومخابئ القبائل الجبلية ، وهو بحق المكان المناسب الذي طالما كان يبحث عنه،  وبدأت أعمال البناء عام : ٥٠هـ الموافق ٦٧٠م، واتبع في تخطيط المدينة ما هو متبع في تخطيط المدن الإسلامية، فكان أول ما بدى ببنائه في وسط المدينة المسجد الجامع الذي حَمَل اسم : جامع عقبة بن نافع، وإلى جواره من خلف القبلة دار الإمارة، ثم اختط الأهلون بيوتهم من حولهما، وقد استغرقت عمليات البناء خمس سنوات ، حيث انتهت عام : ٥٥ هـ الموافق ٦٧٥م لم يمنع القيروان انعزالها بعيداً عن العمران من أن تنمو، وتزدهر، فقد شدت إليها المطايا من كل مكان، وقصدها الناسُ مِنْ كُلِّ بلد، وعظم قدرها، فكان سوقها يمتد على طريق طولها ميل وثلثان، تبدأ من الجامع من جهة القبلة، وتنتهي إلى باب أبي الربيع في جنوب المدينة ، وقد ظلت زمناً طويلاً عاصمة الإسلام الأولى لإفريقية ، والأندلس ، وموطناً لبث اللغة العربية ، ونشر الإسلام في إفريقية التي دخلها كثيرون من أصحاب الرسول صلّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَمثالُ : عبد الله بن عباس، وأبي ذر الغفاري، وإذا ذكرت القيروان ذكر معها : ابن رشيق القيرواني، وابن شرف والإمامُ سُحْنُون، وسواهم من العلماء والأدباء ، ممن أنجبتهم أرض القيروان وكان لهم شرف الإسهام في بناء الشخصية العربية الإسلامية وإثراء التراث الإسلامي، وتدعيم مسيرة حضارته، وتضم القيروان اليوم عدداً كبيراً من المساجد في مختلف أحيائها، منها القديم الأثري، كمسجد الأبواب الثلاثة، الذي شيد في منتصف القرن الثالث الهجري، ومسجد الفقيه أبي الربيع القطان، ومسجد الأنصاري، ومنها المستحدث الذي تم بناؤه في العصر الحاضر.

ومازالت مدينة القيروان محافظة على طابعها الإسلامي، الذي تميزت به، ومازال جامع عقبة الذي يُعتبر أقدم أثر إسلامي في المغرب كله قبلة للمصلين والزائرين من مختلف أقطار العالم الإسلامي وتحفة فريدة، تُعبر عن الفن المعماري الأصيل ، وذلك بفضل اهتمام القائمين على هذه الآثار، وحرصهم على حفظها من الاندثار؛ لتظل القيروان مدينة إسلامية حديثةً تنطقُ بِمَاضيها التليد ، ورمزاً عربياً خالداً محفوظاً في جفون التاريخ.

إجابتك

اسمك الذي سيظهر (اختياري):
نحن نحرص على خصوصيتك: هذا العنوان البريدي لن يتم استخدامه لغير إرسال التنبيهات.

1 إجابة واحدة

0 تصويتات
بواسطة (905ألف نقاط)
 
أفضل إجابة
كان لعلماء القيروان شرف الأسهام في بناء الشخصية العربية

اسئلة متعلقة

...