بواسطة (905ألف نقاط)

اليمن بلد منقوش على الحَجَرِ، بأيديهم في اليمـن نـحـتـوا كل شيء، الجبل والسفح وواجهة البيت، بل وأبوابه ومغاليقه، لم يتركوا شيئاً بغير نقش حتى الأساور والخناجر والأحزمة والمكاحل، ومن أروع المناظر التي يُشاهدها الزائر لليمن، المزارع المدرجة التي تقام بأشكال هندسية بديعة، وهذه المزارع العجيبة موجودة منذ القدم، من قبل أن تعرف في إيطاليا وتسمى بالحدائق المعلقة، وهي مدرجات تدل على كفاح اليمنيين في المناطق الجبلية، وكانت تُزرع كلها حتَّى عهد قريب، ولقد اختفت حيطانها لأسباب متعددة في الكثير من المناطق ، وتعرتِ التربة الخصبة وانحدرت إلى الوديان.

إن الفن المعماري اليمني يُعتبر حضارةً قائمةً بذاتها، خاصةً إذا قرأنا ما يرويه لنا التاريخ عن القصور والقلاع والسدود، وغير ذلك مما اعتبر عجائب نسجت حوله الأساطير، وفي صنعاء تتجلى العمارة اليمنية في أوضح وأبهى صورها صنعاء، حاضرة اليمن الخضراء كما أسماها أجدادنا القدامى، وعاصمة البلاد السعيدة كما أسماها مؤرخو اليونان، وعروس الجزيرة العربية والجوهرة الـيـتـيـمـة في بلاد العرب وإحدى جنان الأرض بإجماع الناس كما قال المؤرخون . ويقال : إنَّها أوَّلُ مدينة بنيت بعدَ الطُّوفان، وإِنَّ الباني لها سام بن نوح عليه السلام، ولذلك سميت مدينة (سام)، وسميت أيضاً بمدينة (آزال ) وهو اسم ورد في التوراة، ولا تزال صنعاء القديمة كما هي، باستثناء سورها الذي تهاوت بعضُ أجزائه، لقد صمدت قروناً ضد الأخطار الطبيعية كالسيول والتقلبات الجوية، وصمدت ضد عدوان الإنسان كالحروب والحرائق وأعمال التخريب والإهمال، وبقيت إلى اليوم شاهداً حياً وشامخاً على حضارة عربية إسلامية أصيلة، ذات مستوى فني رفيع.

إِنَّ منازل صنعاء التاريخيَّةَ التي يصل عددها إلى ستة آلاف وخمسمائة منزل تبرز كنماذج خاصة لمبان لا مثيل لها في العالم، ويبلغ ارتفاع بعض دُورِهَا ثمانية أدوار، وكلُّ دور مستقل بمرافقه، بين كل دور وآخر زنار من الخارج، ويعمل من مادة البناء نفسها، وبأشكال هندسية رائعة الزخرفة، وفي معظم الدور حجرات في أعالي البيوت ( مـفـارج)، وهي، الشكل ذات نوافذ واسعةٍ منخفضة ليرى الجـالـس فـيـهـا حـقـول صنعاء مستطيلة وبساتينها ... وإذا كانت صنعاء نموذجاً لمدينة الجبل، فزبيد نموذج لمدينة الوادي ، وَسَكَنَتْها قديماً قبيلة الأشاعرة ، الذين منهم أبو موسى الأشعري الصحابي الجليل، وتختلف عمارة زبيد عن مثيلتها في صنعاء في التصميم والخامات، فالبيت متعدد الطوابق لا حاجة إليه، إذ أن مساحة الأرض تسمح بالتمدد بارتياح، فضلاً عن أنَّ المناخ تلائمه أكثر الحجرات الواسعة والأفقية. وإلى جوار كل بيت حديقة، والمفرج هو الصقُ الحجرات بالحديقة، وكل الأبنية بالحجارة البيضاء، وواجهات البيوت القديمة كلُّها مكسوة بالنقوش المنحوتة، والتي لا نجد سوى كلمة ( تطريز ) تعبر عنها ، ويُضافُ إلى هذه النقوش كتابات محفورة أيضاً تتصدر مدخل كل بيت تتراوح بين الآيات القرآنية والأحاديث الشريفة، وتسجل تواريخ الإنشاء، إِنَّ أي حارة بزبيد تصلح لأن تتصدر جناحاً بأكمله في متحف اللوفر بباريس، لأنَّ أي سرير صغير أو حجرة أو نافذة هي تحفة فنية بحد ذاتها، عندما يتحدث الناسُ عن فن العمارة يسوقون لذلك مثالاً بمدينة، إلا أنَّ الحال في اليمن مختلف، إذ لا يشمل مدينةً واحدةً، بل يتعدى جغرافية الأحياء والمدن ليشمل بلداً بأكمله يعد بحق متحفاً لفنون العمارة.

إجابتك

اسمك الذي سيظهر (اختياري):
نحن نحرص على خصوصيتك: هذا العنوان البريدي لن يتم استخدامه لغير إرسال التنبيهات.

1 إجابة واحدة

0 تصويتات
بواسطة (905ألف نقاط)
 
أفضل إجابة
الفن المعماري اليمني حضارة قائمة بذاتها

اسئلة متعلقة

1 إجابة
...